ابن كثير
4
السيرة النبوية
شديد وضيق من الحال ، جلى للناس أمرها ودعا من حوله من أحياء الاعراب للخروج معه فأوعب معه بشر كثير . كما سيأتي . قريبا من ثلاثين ألفا ، وتخلف آخرون ، فعاتب الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين ، ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع وفضحهم أشد الفضيحة وأنزل فيهم قرآنا يتلى ، وبين أمرهم في سورة براءة ، كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير . وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال ، فقال تعالى : " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ، لو كان عرضا قريبا ، وسفرا قاصدا لاتبعوك ، ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ، يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون " ثم الآيات بعدها . ثم قال تعالى : " وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " فقيل إن هذه ناسخة لتلك وقيل لا . فالله أعلم . * * * قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب - يعنى من سنة تسع - ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم . فذكر الزهري ( 1 ) ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم من علمائنا ، كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها ، وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم ، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار ، فالناس
--> ( 1 ) ابن هشام : وقد ذكر لنا الزهري .